السيد كمال الحيدري
48
دروس في علم الإمام
هذه العلوم والمعارف إنّما استُفيدت عن طريق الدلالات اللفظيّة المفادة من خلال ظواهر الآيات القرآنية ، وإنّما لابدّ من وجود طريق آخر يمكن الاستناد إليه لاستكشاف هذه الأسرار والخبايا التي أشير إليها في النصوص المتقدّمة . المراتب الوجودية للقرآن الكريم لكي نُجيب عن التساؤل أعلاه ، لابدّ أن نعرف أنّ للقرآن مراتب وجوديّة أخرى غير هذه المرتبة التي هي بأيدينا ، وهذا ما نحاول الوقوف عليه . عوالم الوجود الإمكاني قبل الولوج في البحث ينبغي تقديم مقدّمة تساهم في إيضاح المطلوب ، حاصلها : أنّه ثبت في الأبحاث الفلسفيّة أنّ الوجود الإمكاني له عوالم كلّية ثلاثة : عالم التجرّد العقلي ، وعالم المثال المنفصل ، وعالم المادّة والماديّات . فالعالم العقلي : عالم مجرّد تامّ ذاتاً وفعلًا عن المادّة وآثارها . وعالم المثال : عالم مجرّد عن المادّة دون آثارها من الأشكال والأبعاد والأوضاع وغيرها . وعالم المادّة : عالم لا يخلو ما فيه من الموجودات من تعلّقٍ ما بالمادّة ، وتستوعبه الحركة والتغيّر . وتمتاز هذه العوالم الوجوديّة بخصائص ، أهمّها : السبق واللُّحوق : بمعنى أنّ بعضها سابق على البعض الآخر ، وفق ترتيب وجوديّ لا يتغيّر ، فالأوّل عالم العقل ، ثمّ عالم المثال ، ثمّ عالم المادّة . الترتيب العلّي بينها : بمعنى أنّ المتقدّم واسطة الفيض لما تحته . ولا نريد هنا الوقوف على عدد هذه العوالم وخصائصها ومميّزاتها ، بل ما نتوخّاه من ذلك هو بيان أنّ هناك عوالم أخرى وراء عالم المادّة .